عبد الرحمن بدوي

18

أرسطو عند العرب

في بعض الأوقات فإذن ذلك لعجب ، وإن كان أكثر من ذلك فهو أعجب العجب وله أكثر . والأمر في كثرته بيّن ، لأنه مفرد بذاته بسيط لا تعانده الحواس ولا شئ من الأعراض ، يعقل جميع الموجودات لا على أنها خارجة عن طبيعته أو أفعال غريبة « 1 » له ، لكنه هو الذي يولدها ويحدثها والتي هي هو . وذلك أن اللّه ناموس وسبب نظام الأشياء الموجودة وترتيبها . وهو ناموس حيّ ، كما لو أمكن أن يكون [ 209 ا ] الناموس متنفّسا يرى ذاته ويعقل ذاته . وحياة هذا الناموس ليس هي حياة دائمة لا أول لها ولا انقضاء فقط ، لكن على غاية الفضيلة . وذلك أن أفضل الحياة العقل ، وأشرف جميع ماله حياة « 2 » . وحياته ليست في وقت بعد وقت بأحوال مختلفة مثل حياتنا ؛ لكن هو الحياة بعينها ، لأنه هو الفعل ، والفعل حياة . وكما أنه أفضل الأفعال ، كذلك هو أفضل الحياة . وكما أنه فعل أزلي دائم ، كذلك هو حياة أزلية دائمة . وقد نقول : إن اللّه حياة أزلية دائمة في غاية الفضيلة ، فيجب إذن أن يكون للّه حياة أزلية وبقاء متصل أزلي دائم الدهر كلّه . فقد تبين أنه يوجد جوهر أزلي غير متحرك مباين للمحسوسات ولا في الموضع لكن في الطبيعة ، وفي أنه لا يستحيل ولا يتغير ولا يقبل التأثير ؛ وتبين أيضا أنه ليس بجسم ، ولا له مقدار من المقادير ؛ وأنه ليس بمائت ولا منقسم . وذلك لأنه يحرك زمانا لا نهاية له ، فإنه لا يوجد عظم متناه له قوة يحرك بها بغير نهاية . فأما القوة التي في الكواكب وهي التي لا نهاية لها فليست بطبيعية فيها ، ولا على أنها أجسام ؛ لكنها إما معلقة بالعلة الأولى ، وإما لنفس فيها ، من تلك القوة التي ليست بجسم . وذلك أن العلة الأولى هي التي تدبرها زمانا لا نهاية له . ( الفصل الثامن ) ويجب أن يبحث عن هذه الجواهر : أهي واحدة أو هي كثيرة ؟ أعنى هذه التي لا عظم لها ولا يشوبها الهيولى . فإن المتقدمين لم يتكلموا في كثرتها كلاما بيّنا . وبعضهم قالوا بالصور . وتبين من الأشياء التي تقدّمنا فحدّدناها أن المبدأ الأول واحد ، وأنه يحرك الحركة الأولى الدائمة الأزلية . وبعد ذلك المبدأ ، جواهر كثيرة حالها هذه الحال .

--> ( 1 ) في الهامش : غيريته . ( 2 ) أي أن العقل هو أشرف جميع ماله حياة .